الشيخ محمد رشيد رضا

393

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالحق ، فأطلع اللّه رسوله عليه وأمره بأن لا يلتفت إليهم ولا يقبل قولهم في هذا الباب ( والوجه الثاني في بيان النظم ) أنه تعالى لما بين الاحكام الكثيرة في هذه السورة بين ان كل ما عرف بانزال اللّه تعالى وانه ليس للرسول ان يحيد عن شيء منها طلبا لرضا قومه ( الوجه الثالث ) انه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بين ان الامر وان كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم ، ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم ، وأن كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له ، بل الواجب في الدين ان يحكم له وعليه بما أنزل اللّه على رسوله ، وأن لا يلحق الكافر حيف لأجل ان يرضى المنافق بذلك » اه وقال الأستاذ الامام : بعد ان حذر اللّه المنافقين من أعداء الحق الذين يحاولون طمسه باهلاك أهله ، أراد ان يحذرهم من ما يخشى على الحق من جهة الغفلة عنه ، وترك العناية بالنظر في حقيقته وترك حفظه ، فان اهمال العناية بالحق أشد الخطرين عليه لأنه يكون سببا لفقد العدل أو تداعي أركانه وذلك يفضي إلى هلاك الأمة . وكذلك اهمال غير العدل من الأصول العامة التي جاء بها الدين ، فالعدو لا يمكنه اهلاك أمة كبيرة واعدامها ، ولكن ترك الأصول المقومة للأمة كالعدل وغيره يهلك كل أمة تهمله ولذلك قال ( وذكر الآية الأولى ) ( أقول ) أما اتصال الآيات بما قبلها مباشرة فالأقرب فيه ما قاله الأستاذ الامام ويمكن بيانه بأنه تعالى لما أمر المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من الأعداء ويستعدوا لمجاهدتهم حفظا للحق ان يؤتى من الخارج ، أمرهم بأن يقوموا بما يحفظه في نفسه فلا يؤتى من الداخل ، وان يقيموه على وجهه كما أمر اللّه تعالى ولا يحابوا فيه أحدا . وأما اتصالها بمجموع ما قبلها فقد علمنا مما مر ان أول السورة في أحكام النساء والبيوت إلى قوله تعالى وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ومن هذه الآية إلى هنا تنوعت الآيات بالانتقال من الاحكام العامة إلى مجادلة اليهود وبيان حالهم مع النبي ( ص ) والمؤمنين ، وتخلل ذلك الامر بطاعة اللّه ورسوله والنعي على المنافقين الذين يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت كاليهود ، وتأكيد الامر بطاعة الرسول ، وبيان انه تعالى لم يبعث رسولا الا ليطاع ، والترغيب في هذه الطاعة . « تفسير النساء » / « 50 خامس » / « س 4 ج 5 »